تقرير بحث النائيني للكاظمي
41
فوائد الأصول
المنكشف به غير النجاسة الحادثة في المعين : ومعه كيف يعقل أن تكون النجاسة الحادثة رافعة لاثر العلم الاجمالي ؟ بل الامر بالعكس ، فان العلم الاجمالي يكون رافعا لاثر النجاسة الحادثة لأنها حدثت في محل كان يجب الاجتناب عنه بسبب آخر سابق عليها ، فقياس حدوث العلم الاجمالي بعد وجود سبب الاجتناب عن المعين على حدوث سبب الاجتناب عنه بعد العلم الاجمالي ليس في محله ، لان المقيس والمقيس عليه متعاكسان في الحكم ، فإنه في المقيس عليه لا أثر للسبب الحادث في المعين بعد العلم الاجمالي ، وفي المقيس لا أثر للعلم الاجمالي الحادث بعد سبق التكليف في المعين ، وحق القياس أن يقاس ما نحن فيه على ما إذا كان العلم بوجوب الاجتناب عن المعين حاصلا قبل العلم الاجمالي ، لما عرفت من أنه لا فرق بينهما سوى أن ذلك يوجب عدم تأثير العلم الاجمالي ، وما نحن فيه يوجب انحلاله ، وهذا مجرد اصطلاح ، والنتيجة لا تختلف ، وهي ثبوت التكليف في المعين من غير ناحية العلم الاجمالي ، فلا يكون العلم طريقا إلى إحرازه ، ويلزمه انحلال العلم حقيقة ( 1 ) .
--> ( 1 ) أقول : حيث انجر الكلام إلى باب انحلال العلم الاجمالي ، فلا بأس ببسط الكلام ، كي يرتفع به ما وقع من الأوهام ، فنقول - وعليه التكلان - إن موجب الانحلال تارة قيام العلم بالتكليف في أحد الطرفين أو أمارة كذلك أو أصل مثبت شرعي أو عقلي ولو قاعدة الاشتغال ، كما أن محط البحث أيضا صور قيام الطريق أو الأصل على وجود التكليف في الطرف المعين بلا عنوان ، وإلا فلو قام الطريق على تعين المعلوم بالاجمال فيه فهو خارج عن باب الانحلال وداخل في باب جعل البدل المعين لمصداق المعلوم بالاجمال ، ويكتفى به ولو قام بعد العلم الاجمالي أيضا . ثم في فرض قيام الطريق على التكليف بلا عنوان سواء كان قبل العلم أو بعده أو مقارنه لا يوجب انحلال العلم الاجمالي حقيقة ، ولو كان الطريق علميا ، لان ميزان وجود العلم الاجمالي وجود لازمه من الشكين التفصيليين في الطرفين ، وهذا الشك مع وجود العلم المزبور موجود بعينه بملاحظة احتمال كون المعلوم بالتفصيل غيره ، وذلك يلازم احتمال عينيته ، وهو ملازم لاحتمال وجود المعلوم في كل واحد من الطرفين ، غاية الأمر على تقدير عين المعلوم بالتفصيل وعلى تقدير غيره . ومن هذه الجهة نقول : إنه لا معنى لانحلال العلم الاجمالي في المقام حقيقة ، وإنما كان كذلك في انحلال العلم في باب الأقل والأكثر . فإنه لا مجال لتوهم بقاء العلم على إجماله ، لعدم احتمال كونه غير المعلوم تفصيلا ، فلا محيص في مثله بأن كان من قبيل ضم مشكوك بمعلوم . ثم لا يخفى أن كل علم أو طريق إنما يتنجز التكليف في ظرف وجوده ، لا أنه بحدوثه يحدث التنجز إلى الأبد وإن زال العلم أو الطريق ، وحينئذ سبق العلم التفصيلي بالتكليف مثلا لا يجدي شيئا في المقام ، لان تأثيره السابق في تنجز معلومه غير مرتبط بتنجز العلم الاجمالي ، وما هو مضر به هو بقاء تأثيره إلى حين العلم الاجمالي ، ومن هذه الجهة يجري عليه حكم المقارن ، كما أن المدار في باب الانحلال العلم بالتكليف الفعلي المردد بين كونه عين المعلوم تفصيلا أم غيره وإن لم يعلم بحدوث التكليف من قبل العلم بسببه ، إذ المدار ليس على العلم بحدوث التكليف جديدا ، بل تمام المدار بالعلم بوجود التكليف حين حدوث السبب ، وذلك بعينه موجود حينه ، وحينئذ لا يبقى في البين مجال توهم ذهاب العلم الاجمالي بوجود العلم التفصيلي وانقلابه إليه حقيقة ، وعليه فلا محيص من الالتزام بمنع العلم التفصيلي علن تأثير العلم الاجمالي ، لا عن نفسه ، كما هو الشأن في الانحلال بالامارة والأصل المثبت للتكليف ، ولا نعني من الانحلال الحكمي إلا ذلك : وحيث اتضح لك ذلك نقول : إن عمدة وجه المنع عن تأثير العلم الاجمالي ليس إلا جهة منجزية العلم التفصيلي الحاصل من حين وجوده حال العلم الاجمالي ، وإلا فتأثيره في الزمان السابق غير مضر بالعلم ، كما عرفت . وعليه فنقول أيضا : إن من المعلوم أن لتكليف واحد لا يتصور إلا تنجز واحد ، ومع قيام العلم التفصيلي مقارنا للعلم الاجمالي يحتمل اتحاد التكليف الغير القابل لتأثير العلم ، ومع هذا الاحتمال لا يبقى مجال لحكم العقل بمنجزية العلم الاجمالي ، إذ معنى منجزية العلم الاجمالي كونه مؤثرا في المعلوم على الاطلاق ، وهذا المعنى غير معقول ، فلا يبقى في البين إلا كون العلم موترا على تقدير ، ومن المعلوم : أن التكليف على تقدير لا يكون متعلق العلم ، بل هو مشكوك تفصيلا ، فما هو معلوم ليس إلا معنى قابلا للانطباق في كل طرف ، وهذا المعنى يستحيل تنجزه من قبل العلم الاجمالي ، وما هو قابل للتنجز هو التكليف المحتمل في الطرف الآخر ، وهو ليس معلوما إجمالا ، لعدم قابلية انطباقه على الطرف المعلوم تفصيلا ، ومن هذه الجهة يسقط العلم عن السببية في الاشتغال وجعل المعلوم في عهدة المكلف ، فصار وجوده كالعدم ، فلا بأس حينئذ بجريان الأصول النافية في الطرف الآخر ، ففي الحقيقة وجه جريان الأصل النافي في المقام من جهة سقوط الأصل عن التأثير ، لا من جهة صرف عدم المعارضة ، كما توهم . وهذا معنى كون الانحلال موجبا للتصرف في مرتبة الاشتغال ، كما أشرنا إلى الفرق بينه وبين جعل البدل الذي هو تصرف في مرتبة الفراغ . ثم إنه بعدما عرفت ذلك ترى هذا الوجه بعينه في الامارة المثبتة وأصله ، من دون فرق بين الجميع في المنع عن تأثير العلم ، كما أن المدار في المنع المزبور مقارنة العلم الاجمالي مع التفصيلي في الوجود ، ولو كان العلم التفصيلي متأخرا فقهرا يحصل في البين علمان إجماليان : أحدهما دفعيا ، والآخر تدريجيا بين الطرف قبل العلم والطرف الآخر بعده ، ومن المعلوم : أن العلم الدفعي أيضا يسقط عن التأثير حين العلم التفصيلي ، لان تأثير السابق ملغى ، والتأثير حين العلم مستند إليهما لا إلى الاجمالي . وبعده يستحيل أيضا تأثر المعلوم القابل للانطباق على كل طرف من قبل العلم الاجمالي ، وأما العلم التدريجي يبقى على تأثيره بلا انحلال ، كما هو الشأن في التلف بعد العلم ، فان المنجز فيه أيضا هو العلم التدريجي الموجود فعلا ، لا أن العلم بحدوثه أثر في التنجز إلى الأبد ، كما توهم . ومن هذه الجهة نفرق بين العلم التفصيلي الحاصل قبل العلم الاجمالي وبعده من دون فريق أيضا بين أن يكون متعلق العلم التفصيلي الحادث التكليف السابق على المعلوم بالاجمال أو مقارنه أو اللاحق له ، إذ ليس المدار في منجزية العلم الاجمالي على العلم بحدوثه من قبله كي ينقلب بعد العلم بالتكليف السابق ، بل المدار على العلم بوجود التكليف حينه وإن احتمل حدوثه قبله ، ولذا لو لم يكن في البين علم تفصيلي لاحق لا شبهة - حتى عند الخصم - بمنجزية هذا العلم الاجمالي مع احتمال عدم حدوث التكليف حينه ، فذلك كاشف جزمي بأن تمام المدار في منجزية العلم الاجمالي هو وجود التكليف حينه لا حدوثه ، ومعلوم : أن هذا المعنى لا ينقلب إلى يوم القيامة ، كان في البين علم تفصيلي أو لم يكن ، وحينئذ فالعلم المزبور بالنسبة إلى الطرف قبل العلم والطرف الآخر بعده بنحو التدريج باق بحاله بلا قيام طريق مثبت بالنسبة إلى طرفي هذا العلم ، فلا مانع عن بقاء منجزيته بلا صلاحية العلم التفصيلي للمنع عن تأثيره ، لعدم قيامه على أحد طرفيه ، وسيجئ ( إن شاء الله تعالى ) أنه لا فرق في منجزية العلم بين الأطراف الدفعية أو التدريجية ، وعليك بالتأمل في المقام ، ترى ما في كلمات الماتن مواقع النظر والاشكال . ولئن تأملت ترى نقطة البحث بيننا وبينه في هذه المسألة هو أن منشأ جريان الأصل في الطرف الآخر هل هو من جهة نقص في العلم الاجمالي في المنجزية ولو من جهة انعدامه حقيقة أو تنزيلا ؟ أو من جهة نقص في المعلوم من حيث التنجز من قبله ؟ فتمام نظر الماتن إلى الأول ولذا لا يفرق بين العلم التفصيلي بعده أو مقارنه لاشتراط بقاء العلم على ما هو عليه في المنجزية . وتمام نظرنا إلى الثاني ، ولذا نفرق بين الصورتين .